محمد محمد أبو موسى

388

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

بِي ضَلالَةٌ » ولم يقل « ضلال » كما قالوا ؟ قلت : الضلالة أخص من الضلال فكانت أبلغ في نفى الضلال عن نفسه كأنه قال : ليس بي شئ من الضلال ، كما لو قيل لك : ألك تمر ؟ قلت : ما لي تمرة » « 334 » وقد يتجه النفي إلى أبلغ حالات المنفى والمراد نفيه في حالاته كلها ونفى الأبلغ لا يقتضى نفى ما هو دونه ولكن المتكلم يعمد إلى هذه الطريقة ليلفت إلى أن البلوغ إلى أبلغ الحالات في هذا الفعل المنفى حقيق بمن هو في مثل حاله ، مثال ذلك قوله تعالى : « وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ » « 335 » فقد نفى عنهم الاستحسار الذي هو مبالغة في الحسور والمراد نفى أدنى مراتب الحسور لا أبلغها ، ونفى الأبلغ - كما قلنا - لا يستلزم نفى الأقل ولكنه عمد إلى هذا ليشير إلى أن ما هم فيه من مواصلة العبادة حقيق بأن يصيبهم بغاية الضعف والكلال ، يقول الزمخشري : « فان قلت : الاستحسار مبالغة في الحسور فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفى عنهم أدنى الحسور ، قلت : في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه ، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الباهظة بأن يستحسروا فيما يفعلون ، أي تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم ، لا يتخلله فترة بفراغ أو شغل آخر » « 336 » وقد يتجه النفي إلى ما علم نفيه وذلك للفت السامع إلى نفسه ومراجعة فكره حتى يرجع إلى الحق ، وفيه ضرب من التهكم وذلك كما في قوله تعالى : « وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ » « 337 » يقول الزمخشري : « فان قلت : لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة ، وترك نفى استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم ؟ قلت : كان معلوما عندهم علما يقينيا أنه ليس من أهل السماع والقراءة ، وكانوا منكرين للوحي مع علمهم بأنه

--> ( 334 ) الكشاف ج 3 ص 89 ( 335 ) الأنبياء : 19 ( 336 ) الكشاف ج 3 ص 85 ( 337 ) آل عمران : 44